مصطفى ختراني
ما يشهده المغرب اليوم على المستوى الجيو-استراتيجي ليس وليد الصدفة ولا نتيجة ظرف عابر، بل ثمرة اختيارات مدروسة ورؤية بعيدة المدى. ففي وقت ما تزال فيه أطراف إقليمية غارقة في منطق الضجيج السياسي وردود الفعل، اختار المغرب أن يشتغل بصمت، ويبني نفوذه حيث تُصنع القوة الحقيقية: في الموانئ، والطاقة، والربط القاري.
لم يعد ميناء طنجة المتوسط مجرد بنية تحتية ناجحة، بل تحول إلى أداة سيادية مؤثرة في حركة التجارة العالمية. ومع مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، رسّخ المغرب تموقعه كلاعب محوري في غرب المتوسط، وبدأ تدريجيًا في تقليص الأدوار الاقتصادية للثغور المحتلة، التي أصبحت خارج السياق الجديد لسلاسل الإمداد الدولية.
في الجنوب، لا يُعد ميناء الداخلة الأطلسي مشروعًا تكميليًا، بل تحولًا استراتيجيًا بامتياز. فالمشروع يندرج ضمن رؤية واضحة تهدف إلى جعل الأقاليم الجنوبية محور ربط حقيقي بين المغرب وعمقه الإفريقي. ومن خلال “المبادرة الأطلسية الملكية”، انتقل المغرب من الخطاب إلى الفعل، مقدمًا لدول الساحل الإفريقي عرضًا عمليًا للخروج من العزلة الجغرافية، قائمًا على الشراكة والمصالح المتبادلة، لا على منطق الوصاية.
هذا التموقع الجديد غيّر قواعد اللعبة، وجعل عددًا من الرهانات التقليدية يفقد وزنه. اليوم، أصبح التحكم في البحر، واللوجستيك، والطاقة، أقوى من أي ضغط ظرفي أو حسابات قصيرة الأمد. ومن لم يستوعب هذا التحول، فهو ببساطة متأخر في قراءة المرحلة.
ويأتي مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب ليجسد هذه الرؤية بوضوح أكبر. فهو رهان قاري استراتيجي يربط إفريقيا بأوروبا، ويجعل من المغرب عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن الطاقي، وشريكًا لا يمكن تجاوزه في الملفات الحساسة.
أما الحضور المغربي داخل أوروبا، فلم يعد رمزيًا أو محدودًا. فتوسع “مرسى ماروك” في إدارة موانئ إسبانية يؤكد انتقال المغرب من موقع العبور إلى موقع التأثير الفعلي في سلاسل النقل واللوجستيك، من نقطة الانطلاق إلى نقطة الوصول.

