العيادي بنبيكة
في مجتمعاتنا، تتجاوز العلاقة بين الأب وابنه الإطار العائلي بكثير. فهي تشكّل ركيزة أساسية لنقل القيم وبناء الشخصية. فالأبوة لا تقتصر على الحماية أو توفير الاحتياجات، بل تتمثل في إعداد الابن ليصبح رجلًا مسؤولًا، قادرًا على اتخاذ قراراته وتحمل تبعاتها.
منذ الطفولة، تتجلى هذه المسؤولية من خلال مبادئ بسيطة لكنها أساسية: غرس قيمة الاجتهاد، تقدير التعليم، وتشجيع الاستقلالية. وبالنسبة لي، كنت دائمًا أؤكد على نقطة جوهرية لدى ابني السي إبراهيم: كان الحصول على شهادته أولوية، وكان اختيار العمل معي قرارًا شخصيًا حرًا ومدروسًا.
ثمة مبدأ آخر أوليته اهتماماً خاصًا، يتعلق بالعلاقة بين ابني وأخته. فمنذ صغرهما، لقد أوضحت لهما مطلباً واضحاً: يجب أن تظل علاقتهما لا تشوبها شائبة. وكنت أحرص على أن يفهما أن النزاعات المدمّرة أو القطيعة بينهما أمر غير مقبول.
لم يكن هذا الشرط قيداً، بل وسيلة لجعلهما يدركان قيمة الروابط العائلية. فتعلم الاحترام المتبادل، والحوار، والدعم منذ الصغر يساهم في بناء علاقات قوية ومستدامة.
واليوم، وبعد مرور الوقت، أرى أن هذا الاهتمام أثمر بالفعل: فقد بقيا قريبين من بعضهما، متفاهمين، ولم يعرفا خلافات كبيرة ابدا. وهذه العلاقة الأخوية المتوازنة تُعد، في نظري، شكلًا آخر من أشكال النجاح التربوي.
هذا التوجه مهم جدًا، ففي كثير من الأحيان، يسير الأبناء على خطى آبائهم بدافع الالتزام الضمني. إلا أن الإنسان لا يُبنى بالإكراه، بل بحرية اختيار طريقه الخاص.
عندما أنهى ابني دراسته، لم يتخذ قراره بسهولة. فقد قضى عدة أشهر يتشاور مع والدته وأخته قبل أن يتحدث إليّ. هذا التريث، وحتى التردد، كان دليلًا على نضج لا تصنعه إلا تربية قائمة على المسؤولية.
وكانت هناك لحظة أخرى أكدت هذا النضج. فبرغم علاقتنا القائمة على الحوار، جاءني بشيء من الحياء ليخبرني برغبته في الزواج. وأمام والدته وأخته، خفض نظره. فسألته ببساطة: «هل أنت متأكد؟»
وكان جوابه القصير والصادق — «نعم» — تعبيرًا عن قرار تحمّله بكل مسؤولية. ثم أجبته بابتسامة وموافقتي. وكانت فرحته الفورية والعميقة تعكس أكثر من مجرد موقف عابر، بل كانت نتيجة لثقة بُنيت عبر السنوات.
اليوم، العمل مع الابن يمثل امتدادًا طبيعيًا لهذه العلاقة، لكنه في الوقت نفسه تحدٍّ حقيقي. هناك خطر كبير يتمثل في البقاء في منصب سلطة مفرطة، والرغبة في السيطرة على كل شيء. بينما ينبغي أن يتطور دور الأب: لم يعد التوجيه المباشر هو الأساس، بل المرافقة والدعم.
تكوين رجل في بيئة العمل يتطلب منحه مسؤوليات حقيقية، لا مجرد مهام بسيطة. هذا يقتضي تقبل أخطائه، واحترام أفكاره، وتصحيحها بحكمة وهدوء. فالتعلم لا يأتي من الكمال، بل من التجربة.
منح الابن فرصة إدارة مشروع، أو مواجهة مواقف معقدة، أو اتخاذ قرارات مهمة، كلها خطوات أساسية في بناء شخصيته. وعلى العكس، فإن الرقابة المستمرة، أو النقد العلني، أو رفض مبادراته، تعيق تطوره وتضعف ثقته بنفسه.
في نهاية المطاف، مهمة الأب عالمية: إعداد ابنه للعيش بدونه. وهذا يتطلب توازنًا دقيقًا بين نقل الخبرة ومنحه الحرية، بين الصرامة والثقة.
النجاح الحقيقي للأب لا يكمن فقط فيما يعلّمه، بل فيما يصبح ابنه قادرًا على تحقيقه بنفسه. إن تعليم رجل يعني قبول أنه يأخذ مكانه، ويتخذ خياراته، ويشق طريقه الخاص.
وفي هذه الحرية المسؤولة، يُبنى بلا شك، أجمل نجاح في علاقة الأب والابن.

