لم يكن وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة المغربية في شتنبر 2026 مجرد سابقة سياسية مرتبطة بالحاضر، بل أعاد إلى الواجهة صفحات من تاريخ المغرب شهدت حضور نساء في دوائر القرار، وإن اختلفت طبيعة أدوارهن ودرجة سلطتهن من مرحلة تاريخية إلى أخرى.
فمن وليلي وأغمات إلى تطوان ومكناس، ظهرت نساء لعبن أدوارا مؤثرة في حماية انتقال الحكم، وتثبيت أركان دول ناشئة، وإدارة المدن، وبناء التحالفات، بل والتفاوض مع قوى خارجية. ولم تكن السلطة دائما مرتبطة بمنصب رسمي، إذ مارست بعضهن نفوذهن من داخل القصر، فيما اعتمدت أخريات على مكانتهن الدينية أو علاقاتهن القبلية أو شبكاتهن السياسية.
كنزة الأوربية.. حماية سلالة ودعم دولة ناشئة
تعود إحدى أقدم النماذج إلى كنزة الأوربية، التي عاشت في أواخر القرن الثامن وبداية القرن التاسع، وكانت ابنة إحدى القبائل الأمازيغية وزوجة إدريس الأول وأم إدريس الثاني.
وقد منح زواجها من إدريس الأول مشروعه السياسي سندا قبليا مهما، بعدما استقر في وليلي. وبعد اغتيال إدريس الأول، وجدت كنزة نفسها أمام مسؤولية حماية وريث صغير وضمان استمرار الأسرة الإدريسية، إلى جانب راشد، مولى إدريس الأول، الذي تولى رعاية الطفل.
وتشير بعض الدراسات إلى مساهمتها في ترسيخ الدولة الناشئة وتشجيع استقدام جماعات من القيروان والأندلس، فضلا عن ارتباط اسمها بمشروع بناء فاس. ومع ذلك، لا تسمح المعطيات التاريخية المتوفرة بتقديمها باعتبارها حاكمة منفردة، بل كشخصية أدت دورا مهما في ضمان استمرارية السلالة وتثبيت أركان الحكم.
زينب النفزاوية.. نفوذ سياسي في قلب الدولة المرابطية
بعد قرون، برز اسم زينب النفزاوية في أغمات، إحدى أهم الحواضر التجارية والثقافية في المنطقة آنذاك. وقد ارتبطت حياتها السياسية بزواجها من أبي بكر بن عمر ثم يوسف بن تاشفين، مؤسس الإمبراطورية المرابطية.
وتمنحها دراسات تاريخية مكانة تتجاوز الصورة التقليدية لزوجة الحاكم، إذ تصفها باعتبارها صاحبة رأي ومشورة، تمتلك معرفة دقيقة بالمجتمع الحضري وشبكاته، مكملة بذلك الخبرة العسكرية والسياسية التي كان يتمتع بها قادة المرابطين.
وتروي المصادر أنها أدت دورا في مساعدة يوسف بن تاشفين على تثبيت سلطته خلال عودة أبي بكر بن عمر، وإن كانت بعض الروايات المتعلقة بها قد اختلطت بمرور الزمن بعناصر أسطورية. ومع ذلك، ظل حضورها في الرواية التاريخية دليلا على الدور الذي كان يمكن أن تلعبه النساء في صناعة القرار السياسي.
لالة عزيزة السكسيوية.. نفوذ خارج أسوار القصر
وفي القرن الرابع عشر، برزت لالة عزيزة السكسيوية في منطقة سكسـاوة بالأطلس الكبير، حيث اكتسبت مكانة دينية واجتماعية مكنتها من لعب دور في العلاقات بين الجماعات المحلية والسلطة المركزية.
وتشير الروايات إلى أنها اضطلعت بدور الوساطة وتهدئة التوترات بين المجموعات المحلية، لتقدم بذلك نموذجا مغايرا للنفوذ النسائي، لم يكن مرتبطا بالقصر أو بالزواج من سلطان، وإنما بالمكانة الاجتماعية والدينية والقدرة على التأثير في محيطها.
السيدة الحرة.. امرأة حكمت تطوان وتحالفت مع بربروس
أما النموذج الأكثر وضوحا للسلطة النسائية المباشرة فيبرز مع السيدة الحرة، عائشة بنت علي بن راشد، التي حكمت تطوان في القرن السادس عشر.
نشأت في بيئة طبعتها الهجرة الأندلسية وتصاعد الضغط الإسباني والبرتغالي على السواحل المغربية، وتعلمت تدبير شؤون الحكم خلال زواجها من المنظري. وبعد وفاته، تولت قيادة تطوان، واستمرت في ممارسة سلطتها إلى غاية 1542.
واعتمدت السيدة الحرة على شبكة من التحالفات المحلية والأسرية لتعزيز موقعها، كما أقامت تحالفا بحريا مع خير الدين بربروس، وارتبط اسمها بمواجهة السفن الإيبيرية والتفاوض بشأن الأسرى.
ورغم أن بعض المصادر الأوروبية أطلقت عليها لقب «ملكة القراصنة»، فإن هذا الوصف لا يعكس سوى جانب محدود من تجربتها؛ فقد كانت أيضا حاكمة لمدينة وفاعلة في تدبير شؤونها والدفاع عن مصالحها السياسية.
ويكتسب زواجها من السلطان أحمد الوطاسي سنة 1541 أهمية سياسية، إذ تم في تطوان وعكس الوزن الذي كانت تتمتع به في شمال المغرب، خصوصا في ظل التنافس بين الوطاسيين والسعديين. غير أن هذا التحالف لم يمنع سقوط نفوذها بعد وقت قصير، إذ انتهى حكمها سنة 1542.
من نساء القصر إلى صناعة القرار الدبلوماسي
لم يقتصر الحضور السياسي للنساء المغربيات على حكم المدن أو الوساطة المحلية، بل امتد إلى دهاليز القصر وإدارة العلاقات الخارجية.
ففي العصر السعدي، برزت سحابة الرحمانية، زوجة السلطان محمد الشيخ وأم عبد الملك، التي استفادت من علاقاتها لدى العثمانيين للحصول على دعم ساعد ابنها على الوصول إلى العرش سنة 1576. وتكشف تجربتها عن الدور الذي كان يمكن أن تؤديه النساء في بناء التحالفات السياسية العابرة للحدود.
كما برزت مسعودة الوزكيتية، المعروفة بلقب «لالة عودة»، والدة السلطان أحمد المنصور الذهبي. فقد جمع نفوذها بين تقديم المشورة داخل البلاط ودعم أعمال عمرانية ودينية، ويرتبط اسمها خصوصا بجامع باب دكالة في مراكش.
خناثة بنت بكار.. السياسة من داخل البلاط العلوي
ومع قيام الدولة العلوية، برزت خناثة بنت بكار كواحدة من أبرز النساء اللواتي مارسن نفوذا سياسيا داخل البلاط.
كانت زوجة السلطان مولاي إسماعيل ووالدة مولاي عبد الله، واستفادت من تكوينها العلمي وقدرتها على التدبير لتصبح مستشارة مؤثرة. وبعد وفاة مولاي إسماعيل سنة 1727، واصلت حضورها السياسي من خلال دعم ابنها وبناء التحالفات القبلية والتدخل في عمليات المصالحة.
كما امتد نشاطها إلى المجال الدبلوماسي، إذ راسلت أطرافا أوروبية بشأن قضايا الأسرى. غير أن مشاركتها في صراعات السلطة كان لها ثمن، حيث تعرضت للسجن ومصادرة ممتلكاتها خلال النزاعات التي رافقت الصراع على العرش.
من النفوذ غير الرسمي إلى رئاسة الحكومة
تكشف هذه النماذج التاريخية أن حضور المرأة في السلطة المغربية لم يبدأ مع الدولة الحديثة، وأن النفوذ النسائي اتخذ عبر القرون أشكالا متعددة، من حماية ورثة العرش والمساهمة في تأسيس الدول، إلى إدارة المدن، وصناعة التحالفات، والوساطة، والدبلوماسية.
وفي هذا السياق، يكتسب وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة دلالة تتجاوز كونها أول امرأة تشغل هذا المنصب، إذ يمثل انتقالا من أنماط نفوذ تاريخية غالبا ما كانت غير رسمية أو مرتبطة بالبلاط والمكانة الاجتماعية، إلى ممارسة السلطة ضمن مؤسسة دستورية حديثة.
وبذلك، لا تبدأ قصة المرأة والسلطة في المغرب مع المنصوري، لكنها تدخل معها مرحلة جديدة، تنتقل فيها المشاركة النسائية في الحكم من التأثير خلف المؤسسات أو بجوارها إلى تولي أعلى مسؤولية حكومية بشكل مباشر ورسمي.
عن النهار العربي بتصرف

