قيود أوروبية جديدة تثير مخاوف بشأن تحويلات مغاربة العالم


حرر بتاريخ | 06/24/2026 | من طرف كشـ24

اعتمد الاتحاد الأوروبي قبل أشهر ضوابط جديدة على عمليات تحويل الأموال التي تقوم بها فروع البنوك الأجنبية الموجودة على أراضيه، ما أثار مخاوف من احتمال تراجع حجم التحويلات المالية للمهاجرين المغاربة نحو بلدهم، والتي تسجل ارتفاعاً قياسياً، إذ فاق حجمها 13 مليار دولار خلال عام 2025.

تشكل تلك الأموال آلية شعبية تسهم في الحفاظ على التوازن الاقتصادي في المغرب خارج إطار الموازنة العامة للدولة، يجري صرفها من طرف الأسر في إطار استهلاكي، وبالتالي فإن تراجع حجم تلك التدفقات سيوثر بصورة مباشرة في القدرة الشرائية لتلك العائلات.

تأثير محدود
قام الاتحاد الأوروبي بفرض إجراءات مالية في إطار سياسة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إذ أصدر حزمة من القرارات يظل أهمها إلزام البنوك الأجنبية بإنشاء فروع خاضعة للقانون الأوروبي وتشديد المراقبة على التحويلات المالية الموجهة خارج بلدان الاتحاد. تلك الخطوة أثارت مخاوف في المغرب من احتمال تأثيرها على حجم تحويلات المهاجرين لعائلاتهم، باعتبارها الدخل المالي الأساس للعديد منهم. من جانبه أشار المدير العام لبنك المغرب (البنك المركزي)، عبد الرحيم بوعزة، إلى أن توجه الاتحاد الأوروبي أصبح من أبرز التحديات التي تواجه منظومة تحويلات المغاربة المقيمين في الخارج، نظراً لأهميتها بالنسبة للاقتصاد الوطني ودورها في دعم دخل الأسر المغربية، موضحاً أن سلطات بلاده تتابع الملف عن كثب بالتعاون مع الشركاء الأوروبيين، من أجل الحفاظ على انسيابية التحويلات وضمان استمرارية الخدمات المالية المقدمة للجالية المغربية المقيمة في الخارج.

وذكّر المدير العام لبنك المغرب بأن الجزء الأكبر من تلك الأموال يصرف في الاستهلاك الأسري المباشر، بحسب إحصاءات المندوبية السامية للتخطيط، إذ إن 87 في المئة منها تستعمل لتغطية النفقات الجارية للأسر، مقابل نسبة محدودة فقط يجري توجيهها نحو الاستثمار أو الأنشطة الإنتاجية.

من جانبه، يوضح الخبير في مجالي الاقتصاد والتخطيط، أمين سامي، أن خطوة الاتحاد الأوروبي نحو تشديد تتبع التحويلات المالية تدخل ضمن حزمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مع إنشاء سلطة أوروبية جديدة لذلك AMLA وتوحيد قواعد العناية الواجبة وتتبع معلومات المرسل والمستفيد، خصوصاً في التحويلات العابرة للحدود والقنوات الرقمية ومجال “الكريبتو”، مشيراً إلى أن التشديد الأوروبي لن يمنع التحويلات، لكنه سيزيد من متطلبات الامتثال والرقابة، ما قد يرفع كلفة التحويل، ويطيل آجال إنجازه، ويزيد الإجراءات الإدارية. وبالنسبة للمغرب، فإن أي تراجع ولو بنسبة محدودة لتلك الأموال ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد والأسر.

ضمان اجتماعي شعبي
تعتبر التدفقات المالية للمهاجرين المغاربة الموجهة نحو بلدهم أهم ضمان للاستقرار الاقتصادي بالمملكة، بحيث تشكل الدخل المالي الأساسي لبعض الأسر، وتسهم في تحمل مصاريفهم الاستهلاكية. وفي هذا الشأن، يوضح الخبير أمين سامي أن تلك الأموال تشكل إحدى أهم الركائز الاقتصادية والاجتماعية للمغرب، إذ بلغت 122.02 مليار درهم (ما يفوق 13 مليار دولار) في عام 2025، وهو أعلى مستوى مسجل تاريخياً، بزيادة قدرها 2.6 في المئة مقارنة بعام 2024، وبالتالي تمثل هذه التحويلات نحو 8 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي، مما يجعلها أحد أكبر مصادر العملة الصعبة إلى جانب السياحة والصادرات الصناعية والفوسفات، لافتاً إلى أن تلك التدفقات تسهم بصورة حاسمة في دعم احتياطات النقد الأجنبي وتحسين ميزان الأداءات وتمويل استهلاك الأسر والسكن والتعليم والعلاج والاستثمار الصغير، وهو ما يجعلها تتجاوز كونها مجرد تحويلات مالية لتشكل ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المغرب.

ويؤكد الخبير المغربي أن هذه التحويلات تشكل نوعاً من “الضمان الاجتماعي” للمغرب، لكونها تؤدي عمليا دور شبكة حماية اجتماعية غير ممولة من الموازنة العامة، إذ توفر دخلاً منتظماً لآلاف الأسر، وتساعد على مواجهة البطالة وغلاء المعيشة والأزمات الاقتصادية، وهو ما يخفف الضغط على منظومة الدعم والحماية الاجتماعية. كذلك يمكن اعتبارها “نظاماً اقتصادياً”، لأنها تمثل تدفقاً مالياً مستقلاً عن السياسات العمومية، وبالتالي ينتقل مباشرة من أفراد الجالية إلى الأسر من دون المرور عبر الموازنة العامة للدولة، وبالتالي فهي تحرك الاستهلاك والاستثمار العائلي والاقتصاد المحلي، مما يجعلها اقتصاداً شعبياً عابراً للحدود يشتغل بمنطق التضامن الأسري بعيداً من منطق السوق أو تدخل الدولة.

قلق من التراجع
بالنظر لأهميتها في الحفاظ على التوازن الاقتصادي، يشكل احتمال تأثر تلك التحويلات المالية بتقييدات الاتحاد الأوروبي مصدر قلق للمهاجرين المغاربة وعائلاتهم، وذلك بسبب التأثير المباشر لأي تراجع أو عرقلة مسار تلك الأموال على القدرة الشرائية لتلك الأسر. يوضح أمين سامي أن أي تراجع في التحويلات سيؤدي إلى انخفاض احتياطي العملة الصعبة وضعف الطلب الداخلي وتراجع استهلاك الأسر وركود نسبي في بعض قطاعات مثل التجارة والعقار والبناء والضغط على الهشاشة الاجتماعية، خصوصاً في المناطق التي تعتمد بصورة كبيرة على تحويلات الجالية، إضافة إلى زيادة الضغط على المالية العمومية وبرامج الدعم الاجتماعي، أما على المدى المتوسط، فقد ينعكس ذلك سلباً على النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وللحد من تلك العواقب، يشدد الخبير المغربي على ضرورة العمل على خلق منصة مغربية- أوروبية موحدة لتحويلات الجالية بامتثال مسبق، وذلك من خلال اتفاق تنظيمي بين بنك المغرب و”السلطة الأوروبية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب”، مع تصنيف خاص للتحويلات العائلية الصغيرة المتكررة المنخفضة المخاطر، والعمل على خفض كلفة التحويل عبر المنافسة الرقمية، وخلق محفظة رقمية للجالية مرتبطة بحساب مغربي موثق، إضافة إلى تحويل جزء من التحويلات إلى إدخار إنتاجي من خلال سندات الجالية وصناديق جهوية وتمويل السكن المنتج والمقاولات الصغيرة، مضيفاً أن على المغرب أن يتعامل مع تلك التدفقات ليس فقط كمصدر عملة صعبة، ولكن كفرصة تاريخية، من خلال تحويلها إلى نظام مالي- اجتماعي- استثماري مؤطر، كي تصبح الجالية أكبر صندوق سيادي للمغرب.

من ناحيته، حذر رئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية، حميد النهري، من اعتماد الاقتصاد المغربي بصورة عامة على موارد خاضعة لتقلبات، موضحاً أن تلك المساهمات المالية للمهاجرين، على رغم حجمها الكبير وتأثيرها المهم في دعم الاقتصاد المحلي، فإنها تظل معطى ظرفياً مرتبطاً بعوامل خارجية قابلة للتقلب، منها السياسات العامة لدول الاستقبال وتغير عقلية أجيال المهاجرين، ورأى أن تلك الأموال توجه بالأساس للاستهلاك، وبالتالي لا تسهم في تحقيق تنمية مستدامة.

المصدر: اندبندنت عربية