سلّط تقرير صادر عن مركز “Stimson Center“، أعدّه الخبير الاقتصادي بول داير، الضوء على التحديات العميقة التي تواجه سوق الشغل في المغرب، رغم ما حققته المملكة من تقدم اقتصادي واستقرار على مستوى المؤشرات الكلية خلال السنوات الأخيرة.
ويشير التقرير إلى أن المغرب نجح في بناء اقتصاد موجّه نحو التصدير، مدعوم بتطور ملحوظ في قطاعات صناعية حديثة مثل صناعة السيارات والطيران والإلكترونيات والنسيج، ما جعله واحدا من أبرز الاقتصادات الصاعدة في المنطقة، غير أن هذا التحول الصناعي لم ينعكس بشكل كاف على مستوى خلق فرص الشغل، خصوصا في صفوف الشباب.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، لا تزال بطالة الشباب عند مستويات مرتفعة تتجاوز 37%، مع تسجيل صعوبات متزايدة لدى حاملي الشهادات وسكان المناطق الداخلية والهامشية في الولوج إلى سوق العمل، لافتا إلى استمرار هيمنة القطاع غير المهيكل، الذي يستوعب نسبة كبيرة من اليد العاملة دون حماية اجتماعية أو استقرار مهني.
ويرى معدّ التقرير أن جزءا من هذا الوضع يعود إلى البنية الصارمة لسوق العمل، التي توفر حماية أكبر للعاملين داخل القطاع الرسمي، لكنها في المقابل تضع قيودا على إدماج الوافدين الجدد، مما يحد من دينامية التشغيل. كما يدفع ذلك عددا من المقاولات، خصوصا الصغيرة والمتوسطة، إلى تجنب التوظيف الرسمي بسبب التعقيدات التنظيمية وكلفة الامتثال.
وعلى مستوى النموذج التنموي، يعتبر التقرير أن الاستراتيجية الصناعية القائمة على جذب الاستثمارات الأجنبية وتطوير المناطق الصناعية حققت نتائج مهمة على مستوى الإنتاج والتصدير، لكنها لم تنجح بعد في تحقيق إدماج اجتماعي واسع أو تقليص الفوارق المجالية، حيث تتركز المكاسب الاقتصادية بشكل أكبر في المدن الساحلية مقارنة بالمناطق الداخلية.
كما يشير التقرير إلى أن برامج التكوين ودعم التشغيل، رغم التمويلات الكبيرة التي خصصت لها، لم تحقق الأثر المنتظر على مستوى تقليص البطالة بشكل جذري، ما يطرح تساؤلات حول فعاليتها في معالجة اختلالات سوق العمل.
ويقارن التقرير التجربة المغربية بتجارب دول شرق آسيا خلال مرحلة صعودها الصناعي، حيث ساهمت مرونة أسواق العمل آنذاك في خلق وظائف واسعة وتعزيز النمو؛ لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن اختلاف السياقات يجعل من غير الممكن نقل تلك النماذج بشكل مباشر.
ويخلص بول داير في تقريره إلى أن التحدي الحقيقي أمام المغرب اليوم لم يعد مرتبطا بتحقيق النمو الاقتصادي، بل بكيفية تحويل هذا النمو إلى فرص شغل شاملة ومستدامة. ويدعو إلى اعتماد مقاربة قائمة على الحوار الاجتماعي بين الحكومة والقطاع الخاص والنقابات، بهدف إعادة التوازن بين حماية العمال وتحفيز خلق الوظائف، بما يسمح بدمج أكبر للشباب داخل الاقتصاد الرسمي وتقليص الفجوة بين النمو والعدالة الاجتماعية.

