أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن المغرب يقف أمام مرحلة جديدة من مساره التنموي، عنوانها الأساسي لم يعد فقط مواصلة الاستثمار وإنجاز الأوراش الكبرى، وإنما ضمان انعكاسها بشكل ملموس على الاقتصاد وسوق الشغل والعدالة المجالية.
وأوضح رئيس المجلس، عبد القادر أعمارة، خلال تقديم التقرير السنوي للمجلس برسم سنة 2025، المرفوع إلى الملك محمد السادس، أن المملكة راكمت خلال السنوات الأخيرة عددا من المكتسبات والإصلاحات، غير أن الاستفادة الكاملة من آثارها تظل مرتبطة بقدرة الاقتصاد على خلق فرص شغل مستدامة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليص الفوارق بين الجهات.
وسجل التقرير أن ارتفاع حجم الاستثمارات والتقدم الذي أحرزه التصنيع لم ينعكسا بالقدر نفسه على التشغيل، بسبب تنامي أنشطة أكثر اعتمادا على رأس المال وضعف الاندماج المحلي، داعيا إلى توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الأكثر قدرة على إحداث وظائف مؤهلة وربط المقاولات المغربية بالمشاريع الكبرى وسلاسل القيمة.
كما توقف المجلس عند هشاشة جزء من النسيج الإنتاجي الوطني، الذي يجمع بين مقاولات كبرى مندمجة في سلاسل القيمة العالمية وأغلبية من المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة التي تواجه صعوبات مرتبطة بالتمويل والعقار والصفقات العمومية وآجال الأداء. ويضاف إلى ذلك قطاع غير منظم يضم نحو 2.03 مليون وحدة إنتاج غير فلاحية ويشغل قرابة ثلث اليد العاملة غير الفلاحية.
وفي الجانب المجالي، أبرز التقرير استمرار تمركز النشاط الاقتصادي، حيث تستحوذ جهات الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة وطنجة-تطوان-الحسيمة على 58.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي الوطني، مقابل 41.5 في المائة لباقي الجهات التسع، وهو ما يجعل تقليص الفوارق الترابية أحد أبرز رهانات المرحلة المقبلة.
وبخصوص الاستحقاقات الكبرى المرتبطة بأفق 2030، اعتبر المجلس أن الاستثمارات المقدرة بنحو 190 مليار درهم خلال الفترة 2024-2030 تشكل فرصة مهمة لتحديث البنيات التحتية وتعزيز جاذبية المغرب، غير أن نجاحها، وفق التقرير، سيقاس بقدرتها على خلق قيمة مضافة محلية وفرص شغل وإدماج المقاولات الوطنية في سلاسل التوريد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على توازن المالية العمومية.
اجتماعيا، أشار المجلس إلى التقدم المسجل في ورش الحماية الاجتماعية، إذ بلغت تغطية التأمين الإجباري الأساسي عن المرض نحو 88 في المائة من السكان نهاية 2025، أي أكثر من 32 مليون مستفيد، فيما استفادت نحو 3.9 ملايين أسرة، تضم أكثر من 12.5 مليون شخص، من الدعم الاجتماعي المباشر، بمبالغ تجاوزت منذ إطلاق البرنامج 51 مليار درهم.
وفي المجال البيئي، سجل التقرير رفع المغرب هدف خفض انبعاثات الغازات الدفيئة إلى 53 في المائة في أفق 2035، إلى جانب مواصلة تطوير الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر وتحلية مياه البحر، مع التأكيد على ضرورة تعزيز تخزين الكهرباء وتثمين المياه العادمة والنفايات وتسريع الانتقال نحو الاقتصاد الدائري.
ويخلص المجلس إلى أن الرهان التنموي للمغرب خلال المرحلة المقبلة يتمثل في الانتقال من منطق إنجاز الاستثمارات والأوراش إلى ضمان آثارها الاقتصادية والاجتماعية الفعلية، بما يسمح بتحويلها إلى فرص شغل وثروة وتنمية أكثر توازناً بين مختلف المجالات.

