تحولت مدينة سبتة المحتلة، خلال الأيام الماضية، إلى وجهة لعدد من صناع المحتوى الأجانب الذين حاولوا نقل تفاصيل المشهد الذي خلفته موجة العبور الجماعي للمهاجرين غير النظاميين، والتي شارك فيها مغاربة وجزائريون وسودانيون وأشخاص من جنسيات إفريقية مختلفة.
وأتاحت المقاطع المصورة، التي انتشرت على منصات رقمية متعددة، معاينة تداعيات وصول أعداد كبيرة من المهاجرين إلى مدينة لا تتجاوز مساحتها نحو 19 كيلومترا مربعا، في وقت عززت فيه السلطات الإسبانية حضورها الأمني بمختلف النقاط الحساسة.
وتنقل التسجيلات صورا لافتة من الحياة اليومية خلال هذه الفترة، بينها وجود شباب وقاصرين في الشوارع والأزقة، وتجمعات على الشواطئ، وأداء الصلوات بشكل جماعي، إلى جانب اضطرار بعض الوافدين إلى قضاء الليل في فضاءات عمومية ومناطق خضراء وحتى داخل مقابر.
ومن بين أكثر المحتويات التي حظيت بانتشار واسع، فيديو أنجزه صانع المحتوى الهولندي توم فان هوفيل، عبر قناته “Dutch Travel Maniac”، حيث تجول في عدد من أحياء المدينة وتحدث مع مهاجرين من المغرب ومن بلدان إفريقية أخرى حول ظروف وصولهم وطموحاتهم بعد العبور إلى الضفة الأوروبية.
وحقق الفيديو، المنشور باللغة الإنجليزية، حوالي 1.7 مليون مشاهدة في مدة لم تتجاوز ثلاثة أيام، مقدما مشاهد من مختلف المناطق التي تجمع فيها المهاجرون، إلى جانب شهادات بشأن وضعهم القانوني ومصيرهم المحتمل داخل سبتة.
ولم يقتصر التصوير على الجانب الإنساني، إذ خصص جزء من المحتوى لمعاينة الانتشار الأمني الإسباني، خاصة بالمناطق الساحلية والنقاط التي شهدت تجمعات كبيرة، مع محاولة رصد طريقة تعامل السلطات مع الوضع الاستثنائي الذي وجد فيه سكان المدينة أنفسهم.
كما سعى صانع المحتوى إلى نقل مواقف عدد من سكان سبتة، الذين تحدثوا عن التأثير الذي خلفته موجة الوصول المفاجئ على الحياة اليومية. واعتبر بعضهم أن حجم الأعداد الوافدة شكل مفاجأة بالنسبة إلى مدينة محدودة المساحة، فيما أبدى آخرون تخوفهم من تكرار السيناريو مستقبلا.
في المقابل، أظهرت مقاطع أخرى أن عددا من المهاجرين اختاروا مغادرة المدينة بشكل طوعي بعدما اصطدموا بواقع مغاير للصورة التي كانت لديهم قبل الوصول إليها.
وفي محتوى آخر، وثق صانع المحتوى “Mansilla” أوضاع مجموعات من المهاجرين المغاربة، بينهم شباب وقاصرون، وتحدث معهم حول أسباب خوض تجربة الهجرة وأهدافهم من الوصول إلى الأراضي الأوروبية.
وتباينت الدوافع التي عبر عنها هؤلاء بين البحث عن فرص أفضل للعمل والرغبة في تحسين ظروف العيش، وبين طموحات أخرى، من بينها محاولة استثمار المواهب الرياضية، خاصة في كرة القدم. كما أظهر التسجيل تفاوتا في مستوى إلمام المتحدثين باللغات الأجنبية، إذ تحدث بعضهم الإنجليزية بشكل جيد، بينما اقتصر رصيد آخرين في الإسبانية على كلمات بسيطة، من بينها “Trabajo” أي العمل.
وفي إحدى الشهادات، تحدث مهاجر مغربي قال إنه وصل إلى سبتة سباحة، عن الصعوبات المرتبطة بسوق الشغل في المغرب، منتقدا ضعف الأجور وطول ساعات العمل، ومعتبرا أن البحث عن فرص أفضل كان من بين دوافعه لخوض تجربة الهجرة.
كما نقلت تسجيلات أخرى مشاهد لعشرات القاصرين واليافعين داخل مقبرة محلية، حيث لجأ بعضهم إلى استعمال دلاء بلاستيكية للاستحمام، في ظل بحثهم عن أماكن بعيدة عن أنظار السلطات.
ولم تغب عن هذه المحتويات مشاهد المهاجرين المنحدرين من دول جنوب الصحراء، الذين ظهروا بدورهم في عدد من المناطق وهم يعبرون عن رغبتهم في مواصلة الرحلة نحو أوروبا، في وقت بدا فيه أن التدفق المفاجئ للمهاجرين ترك أثرا واضحا على الحياة اليومية داخل المدينة.
ومن زاوية أخرى، وثق صانع المحتوى الأمريكي الذي يدير قناة “Adventure Elliot” جانبا إضافيا من تداعيات الأزمة، من خلال تصوير مجموعات من المهاجرين وهم يقضون وقتهم في فضاء شبه غابوي، وسط رفض بعضهم فكرة إعادتهم إلى بلدانهم بموجب أي ترتيبات بين المغرب وإسبانيا.
وأظهرت مقاطع أخرى صعوبات التواصل مع عدد من الوافدين، خصوصا أولئك الذين لا يتحدثون لغات أجنبية، فيما رصدت مشاهد إضافية طوابير لمهاجرين من جنسيات مختلفة، بعضهم ملفوف بمناشف حمراء، في انتظار الحصول على مواد غذائية توزعها السلطات أو فعاليات مدنية بالمدينة.
وبذلك، قدمت عدسات صناع المحتوى الأجانب صورة متعددة الأبعاد لسبتة خلال هذه الفترة، جمعت بين المشاهد الإنسانية والأمنية، وشهادات المهاجرين والسكان المحليين، لتكشف في الوقت نفسه حجم الارتباك الذي خلفته موجة العبور المفاجئة داخل مدينة ذات مساحة محدودة.
إلهام لكميري: صحفية متدربة

