أكد محمد بنطلحة الدكالي، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن منصات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات للتعبير الفردي أو فضاءات لتبادل الآراء، بل تحولت في السياق المعاصر إلى بنية مركزية لإنتاج الوعي الجمعي وإعادة توجيهه. وأوضح أن هذا التحول العميق أفرز نمطًا جديدًا من الصراع لم يعد محصورًا في الفاعلين السياسيين المرئيين أو في أدوات القوة الصلبة، بل أصبح يشمل فاعلين غير منظورين، لا يحضرون بأسمائهم ولا بهوياتهم الصريحة، غير أن أثرهم في المجال العمومي يفوق في كثير من الأحيان أثر الفاعلين التقليديين.
وأشار الدكالي، ضمن تصريحه لموقع كشـ24، إلى أن الأمر يتعلق بممارسة ممنهجة تندرج ضمن منظومات الدعاية العدوانية والدعاية السوداء (Black Propaganda)، وتشكل أحد أوجه ما يعرف بالحرب الإدراكية (Cognitive Warfare). وفي هذا السياق يبرز ما يسمى بالذباب الإلكتروني بوصفه التعبير التنفيذي العملي عن هذه الدعاية داخل الفضاء الرقمي، حيث يشير المفهوم إلى شبكات من الحسابات التي تشتغل بشكل منسق وممنهج، سواء تعلق الأمر بحسابات وهمية، أو حسابات آلية، أو حسابات حقيقية موجهة.
وأوضح ذات المتحدث أن هذه الشبكات توصف في الأدبيات المعاصرة بمزارع الترول (Troll Farms) عندما تكون مدارة من فرق بشرية منظمة، أو بسلوك غير أصيل منسق حين يجمع بين العنصر البشري والآلي، كما تعتمد في كثير من الأحيان على تقنيات الأستروتيرفينغ (Astroturfing)، أي تصنيع دعم شعبي زائف يوحي بوجود سخط جماعي عفوي، بينما يكون في الواقع نتاج عمل منظم وموجه.
وشدد الدكالي على أن خطورة الذباب الإلكتروني لا تكمن في مضمون رسائله فقط، بل في طريقة اشتغاله القائمة على الكثافة، والتزامن، والتكرار، واستهداف النقاشات ذات الحساسية العالية. فهو لا يسعى إلى بناء خطاب متماسك أو الدفاع عن أطروحة محددة، بقدر ما يعمل على إغراق الفضاء العمومي بالضجيج، وتشويه مسارات النقاش، وخلق انطباع زائف بوجود رأي عام غاضب أو ساخط بشكل شامل، مع إخفاء المصدر الحقيقي للخطاب وانتحال هوية داخلية محلية.
وأضاف بنطلحة أن هذه الممارسات لا يمكن اختزالها في تعليقات مسيئة أو حسابات مزعجة، لأن جوهر الظاهرة لا يكمن في مضمون الخطاب وحده، بل في البنية التي ينتج داخلها. ويتعلق الأمر بنشاط رقمي منظم، يقوم على التكرار الكثيف، والانتشار المتزامن، والاستهداف الدقيق لفضاءات بعينها في لحظات محسوبة، بما يحول النقاش العمومي من فضاء لتبادل الحجج إلى مجال مشبع بالضجيج والانفعال، حيث لا يعود الهدف هو الإقناع، بل فرض مناخ نفسي عام قوامه الإحباط، وانعدام الثقة، والشعور بالعجز الجماعي.
وأبرز الدكالي أن الخطورة الكبرى لهذا النمط من الدعاية تكمن في طابعه التمويهي، إذ لا يقدم الخطاب نفسه كخطاب خارجي معاد، بل كصوت داخلي ساخط يتحدث بلسان المواطن العادي، ويستعير لغته اليومية، ويستحضر قضاياه الواقعية. واعتبر أن هذا الانتحال الرمزي للهوية الوطنية (Impersonation) عنصر حاسم في الفعالية الدعائية، لأنه يسمح بتقويض الثقة من الداخل عبر التشكيك الذاتي المستمر، وتحويل المجتمع إلى خصم لنفسه.
وفي هذا السياق، أوضح المتحدث ذاته أن مفهوم الحرب الإدراكية يتجاوز التضليل الإعلامي أو نشر الأخبار الكاذبة، إذ لا تستهدف هذه الحرب المعلومة في حد ذاتها، بل الكيفية التي يعالج بها الفرد والمجتمع هذه المعلومة. فهي حرب على آليات الفهم، وعلى القدرة على التمييز، وعلى شروط التفكير الهادئ واتخاذ الموقف، حيث يصبح الالتباس هو القاعدة، ويغدو الشك الدائم حالة ذهنية عامة، وتضعف القدرة على بناء معنى مشترك أو ثقة متبادلة.
وتابع مصرحنا أن هذه الممارسات تقوم على تضخيم الأحداث الجزئية، وتعميم الفشل، وربط الأخطاء الفردية بصورة كلية قاتمة، بما ينتج سردية ضمنية مفادها أن الانهيار هو الوضع الطبيعي، وأن أي حديث عن البناء أو الإصلاح ليس سوى تزييف أو سذاجة أو تواطؤ، دون أن يكون الهدف توجيه الرأي العام نحو خيار سياسي بعينه، بل إضعاف قدرته على التماسك والتفكير المشترك والإحساس بإمكانية الفعل الجماعي.
وأكد الدكالي أن فهم فعالية هذا النمط من الدعاية يقتضي الانتباه إلى العلاقة البنيوية التي تربطه بمنطق المنصات الرقمية نفسها، حيث إن الخوارزميات لا تكافئ الاتزان ولا العمق، بل تكافئ الإثارة والانفعال، وكلما كان الخطاب أكثر حدية زادت قابليته للانتشار. وفي هذا الإطار يتحول الانفعال إلى رأسمال رمزي، ويغدو الضجيج بديلا عن الحجة.
وأشار الدكالي إلى أن النتيجة المباشرة لهذا المسار تتمثل في ما سماه التسميم البطيء للمجال الرمزي، حيث تتآكل المعايير الأخلاقية للنقاش، ويتم تطبيع العنف اللفظي، ويصبح الشك في كل شيء هو الوضع الافتراضي، ما يؤدي إلى تراجع القدرة الجماعية على التمييز بين النقد والمزايدة، وبين المعارضة والهدم، وبين الغضب المشروع والتأجيج المتعمد.
وختم استاذ العلوم السياسية، بالتأكيد على أن مواجهة هذا النمط من الاستهداف لا يمكن اختزالها في الحلول التقنية أو القانونية وحدها، رغم أهميتها، بل إن المعركة الحقيقية هي معركة وعي، قوامها إعادة الاعتبار للتفكير النقدي بوصفه ممارسة اجتماعية عامة. كما نبه إلى أن الانجرار وراء الردود الانفعالية يمنح الدعاية العدوانية ما تحتاجه من انتشار وتضخيم، في حين يشكل الصمت الواعي أو الرد المحكوم بالحجة خيارًا استراتيجيًا.
وفي المحصلة، اعتبر المتحدث أن الصراع المعاصر لم يعد يدور حول السيطرة على الأرض أو المؤسسات فقط، بل على العقول، وأن الوعي المستقر، خاصة في لحظات النقاش الرقمي المرتبطة بالنجاحات الوطنية الكبرى، يظل هو خط الدفاع الأول في مواجهة الدعاية السوداء، حيث يكون البناء الرمزي للنجاح أقوى من أي محاولة تشويش، ويحسم في نهاية المطاف شكل إدراك الحدث ومعناه داخل المجال العمومي.

