تواصل مدينة مراكش تصدر قائمة الوجهات السياحية العالمية المفضلة، بفضل سحرها التاريخي، وطقسها المعتدل، وأجوائها الاستثنائية التي تجذب ملايين السياح الأجانب من كل حدب وصوب؛ غير أن هذا النجاح المنقطع النظير، الذي حول المدينة إلى “ماركة عالمية”، أصبح اليوم سيفا ذو حدين؛ ففي مقابل الانتعاش الاقتصادي، بدأت تظهر ملامح أزمة هيكلية تفقد مراكش توازنها التاريخي وتضغط على جودة حياة ساكنيها الأصليين وزوارها على حد سواء.
خلف الستائر المخملية للفنادق الفاخرة وأضواء ساحة جامع الفنا التي لا تنام، يختبئ وجه آخر للمدينة الحمراء؛ “الوجه الشاحب” لمدينة أصبحت شوارعها تختنق بالسيارات، وهواؤها مثقل بالتلوث، وأحياؤها تتحول إلى مناطق مغلقة للأثرياء، بينما يطرد الغلاء أبناءها الأصليين إلى الهوامش، بعدما أصبح حلم السكن كابوسا بعيد المنال.
أولى ضحايا هذا النجاح كان القطاع العقاري؛ فمع تنامي ظاهرة اقتناء الأجانب والمستثمرين لمنازل في المدينة الحمراء، وتحويل الشقق السكنية إلى وحدات للتأجير السياحي عبر المنصات الرقمية، اشتعلت الأسعار بشكل جنوني، حيث أدى الإقبال الكبير على منصات التأجير قصير الأمد، مثل Airbnb، إلى تغيير بوصلة الملاك؛ فبدلا من طرح شققهم في سوق الكراء الكلاسيكي بأسعار معقولة، فضلوا العائد المادي المرتفع الذي يوفره السياح، مما أدى إلى ندرة العرض وارتفاع الأسعار بشكل كبير، ودفع الطبقة المتوسطة والشباب إلى النزوح نحو الضواحي بعد عجزهم عن مجاراة إيجارات “سياحية” لا تتناسب مع قدراتهم الشرائية.
ولم يتوقف التأثير عند الجدران فقط، بل امتد إلى الشوارع؛ فمراكش التي كانت تُعرف بهدوئها أصبحت اليوم تعيش أزمة تنقل خانقة، حيث وصل الازدحام المروري في الشرايين الرئيسية للمدينة إلى مستويات غير محتملة، خاصة في أوقات الذروة، مما حول التنقل اليومي بين أحياء المدينة إلى معركة مستنزفة للوقت والأعصاب.
هذا الضغط المروري، مقرونا بالنشاط السياحي والكثافة السكانية العالية، أفرز تحديا بيئيا خطيرا؛ إذ بدأت المدينة تسجل ارتفاعا ملحوظا في نسب التلوث، وتراجعت جودة الهواء في بعض المناطق بسبب الانبعاثات الكثيفة لوسائل النقل؛ وحتى “الرئة الخضراء” للمدينة، المتمثلة في الحدائق والمساحات الخضراء وأشجار المدينة، تواجه زحفا إسمنتيا وتلوثا يهدد التوازن البيئي الذي ميز مراكش لعقود.
إن ما تعيشه مراكش اليوم هو “الأثر العكسي” للنجاح السياحي؛ فبينما تتزين المدينة لاستقبال ضيوفها من النجوم والسياح، يجد المواطن المراكشي نفسه أمام تحديات معقدة: غلاء المعيشة، صعوبة في السكن، شوارع مختنقة، وبيئة مهددة، لتجد المدينة نفسها اليوم أمام صراع بين هويتها كعاصمة سياحية عالمية وواجبها كمدينة حاضنة لأبنائها.

