بقلم: محمد أبو الحسين
قيل إن فتح باب المهنة على مصراعيه لغير المحامين سيضيق المجال على الشباب، الذين يرغبون في ولوج المهنة، وهي حجة تبطن عكس ما تظهر، لأنها غير صحيحة حسابيا وواقعيا، وهذا ما سنوضحه بشكل أكثر تفصيلا في ما يلي:
تبعا للإحصائيات الرسمية، فإن عدد المحامين بالمغرب عرف ارتفاعا بنسبة30 في المائة في الخمس السنوات الأخيرة، وأن العدد الإجمالي الحالي للمحامين الرسميين يتأرجح بين 17 ألفا و18 على الصعيد الوطني.
أما الأساتذة المعنيون بقضية الجمع بين المحاماة والتدريس بالجامعة فيتراوح عددهم ما بين 200 و400 أستاذ على الصعيد الوطني، وإذا قارناه مع عدد المحامين، فلن تتجاوز نسبة الأساتذة الذين سيلتحقون بالمهنة 2.2 في المائة. أضف إلى ذلك أن عددا كبيرا من الأساتذة ليست لديهم الرغبة في الالتحاق بالمهنة، كما أن عقبة الشرط المادي الشاق ستحول بين زمرة من الأساتذة وبين الانضمام للمهنة، بمعنى أن النسبة الحقيقية لمن سيلتحق بالمهنة لن تتجاوز 1.5 في المائة من العدد الإجمالي للمحامين بالمغرب.
لذلك، فمن يزعم أن ولوج حوالي 255 أستاذا جامعيا لمهنة المحاماة في كل الهيآت التسع عشرة على الصعيد الوطني فيه منافسة للشباب ولسوق العمل حجته واهية وتبريره ضعيف، وتافه، ولا يستند إلى منطق أو إثبات، ولا قيمة له في النقاش.
ومن أجل فحص الموضوع بدقة متناهية، والبحث عن خفاياه وتفاصيله الدقيقة، سنسرد مقارنة لمعدل المحامي الواحد بالنسبة إلى عدد السكان في الدول التي لا تأخذ بالتنافي كما يلي:
– إيطاليا محام واحد لكل 266 نسمة،
-الكيبك بكندا محام واحد لكل 301 نسمة،
-إسبانيا محام واحد لكل 395 نسمة،
-المملكة المتحدة محام واحد لكل 401 نسمة،
-ألمانيا محام واحد لكل 593 نسمة،
-فرنسا محام واحد لكل 1403 نسمة.
أما الدولة المغربية التي يأخذ قانونها بالتنافي ويمنع الجمع بين مهنة المحاماة والتدريس بالجامعة، فالنسبة فيها هي محام واحد لكل 2100 نسمة. وبإجراء عملية قياسية بسيطة سنلاحظ أن المغرب أقل نسبة بثمان درجات من حيث عدد المحامين بالمقارنة مع إيطاليا التي لا تأخذ بالتنافي، ما جعل فقهها القانوني الأكثر تطورا في أوربا؛ كما أن المغرب أقل نسبة بخمس درجات من المملكة المتحدة وبحوالي أربع درجات من ألمانيا، والشيء نفسه بالنسبة إلى فرنسا رغم قلة كثافة المحامين عندها بالمقارنة مع عدد السكان.
فلو كان الجمع سيغرق المهنة لعرفت إيطاليا أكبر عدد من المحامين المتبطلين وهذا لم يقع، ولو كان الجمع سيغلق الباب أمام الشباب لتوقفت الجامعات الإسبانية عن تكوين خريجين في مجال القانون، والحال أن عددهم في ازدياد مستمر. ولو كان الجمع سيؤدي إلى انكفاء المهنة، ما كان لألمانيا، التي تأخذ بالجمع، أن تتوفر على هيأة المحامين الأكثر تقديرا في العالم.
فكل هذه الدول لديها قناعة اقتصادية مفادها أن توافد مهارات ذات تكوين عال إلى أي حقل لا يضيق من مجال السوق بل يوسع نطاقه، ويؤمنون بأن للتلاقح بين الأستاذية والمحاماة فائدة جمة تتجلى في اكتساح مجالات أخرى، وعوض أن تذهب بعض الملفات إلى الخارج ستبقى في المغرب وفي ذلك أتعاب تؤدى بالمغرب وقيمة مضافة يتم استرجاعها للوطن ونجاعة في التدريب بالنسبة إلى المحامي المتمرن.
فالأستاذ المحامي ليس منافسا للمحامي الشاب بل على العكس هو مؤطره المستقبلي، وربما جوازه نحو الملفات الدولية التي تظل جاذبيتها ضعيفة في المغرب.
لذلك فمنع الجمع بين المحاماة والتدريس بالجامعات لا يمكن تبريره بوهم وسراب حماية المحامين الشباب، الذي أثبتت الإحصائيات عدم صحته، وبالتالي لا يمكن سد هذا الباب بذريعة مجهولة، والتغاضي عن واقع يفرض فتحه للمضي والجريان إلى الأمام لما فيه مصلحة المهنة والوطن.
وقد صدق صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في خطابه بتاريخ 19 يونيو 2019 عندما اعتبر أن الانفتاح رهان ودافع لتجويد الخدمات، وأن القيود التي تفرضها بعض القوانين الوطنية والخوف والتردد يؤدي إلى الانغلاق السلبي. وبالقياس، فهذا التشخيص ينطبق على الاعتصام والتمسك بطرفة التنافي، رغم رجحان جانبها السلبي وصدق إيجابيات الجمع بين المهنتين بعلم اليقين وعين اليقين وحق اليقين.
أستاذ التعليم العالي

