على بعد أكثر من 3000 كيلومتر عن أرض الوطن، خفق القلب على إيقاع واحد مع الرباط. فمساء الأربعاء، احتضن مركز التسوق اللندني وستفيلد أمسية استثنائية، بعدما حولت الجالية المغربية، بمبادرة من سفارة المملكة بلندن وبحضور سفير المغرب لدى المملكة المتحدة، حكيم حجوي، أحد المطاعم الكبرى إلى مدرج كروي نابض بالحياة، احتفاء بالتأهل التاريخي للمنتخب الوطني المغربي إلى نهائي كأس إفريقيا للأمم.
ومنذ الدقائق الأولى للمباراة، كان الترقب سيد الموقف. رجال ونساء، شبان وكهول، توافدوا باكرا وهم يتشحون بالأحمر والأخضر، استعدادا لمواجهة حبست الأنفاس. تقاربت الطاولات، وتعددت الشاشات، وتعلقت الأنظار بأرضية الملعب، وكأنها معلقة بمصير أسود الأطلس في مواجهتهم القوية أمام نسور نيجيريا. هنا، في لندن، بدا وكأن الغربة تتلاشى طيلة 120 دقيقة من مباراة ستظل راسخة في الذاكرة.
وكانت كل فرصة مغربية تقابل بترقب شديد داخل المطعم، في مباراة ستظل محفورة في وجدان المغاربة وعشاق كرة القدم في إفريقيا وخارجها.
ثم جاءت لحظة الانفراج: تعالت صيحات الفرح، وترددت التصفيقات الحارة والزغاريد، وتعانق الحاضرون بعفوية، عقب نهاية سلسلة ركلات الترجيح المثيرة، التي تألق خلالها الحارس المغربي بتصديين حاسمين، نقش بهما اسمه في سجل الكرة المغربية والعالمية، ومنح زملاءه والشعب المغربي فوزا مستحقا.
وترددت في أرجاء المطعم الأناشيد الوطنية، التي رددها الجميع في انسجام، فيما كان بعض الحاضرين يقرعون الطاولات على إيقاع يشبه مدرجات الملاعب. وحتى العاملون بالمطعم، وقد علت محياهم الابتسامة، بدوا واعين بأنهم شهود على لحظة استثنائية.
ومع تنفيذ ركلة الجزاء الأخيرة التي حسمت بطاقة العبور إلى النهائي لصالح أسود الأطلس، خرجت مظاهر الفرح عن السيطرة. رفرفت الأعلام من كل الجهات، وارتفعت الهواتف لتوثيق اللحظة وبثها فورا نحو الدار البيضاء وآسفي ومراكش وفاس ووجدة والداخلة والعيون. دموع فرح امتزجت بالضحكات والأهازيج، في مشهد جسد، لدى الكثيرين، أكثر من انتصار رياضي، بل فخرا راسخا وتأكيدا لهوية مشتركة بعيدا عن الوطن الأم.
وخارج أسوار المطعم، كان الحماس قد فاض بدوره. ففي ممرات وستفيلد، أحد أكبر مراكز التسوق في العالم، تابع المارة اللندنيون، بدهشة وابتسامة، هذا المد البشري بالأحمر والأخضر، في دليل جديد على قدرة كرة القدم على تجاوز الحدود وجمع الجاليات حول حلم واحد.
في تلك الليلة، لم تكن لندن مجرد عاصمة بريطانية، بل تحولت، لساعات، إلى قطعة من المغرب المحتفل، مدفوعة بالأمل في تتويج قاري جديد وبقناعة راسخة بأن المغاربة، حيثما وجدوا، يعرفون كيف يحتفون جماعيا بمحطاتهم التاريخية الكبرى.

