الحلقة الثالثة من السلسلة التحليلية حول أحداث كأس إفريقيا بالمغرب 2025 بقلم عبدالرزاق بوغنبور
الإعلام العربي: حين يصبح الحياد تواطؤًا، والصمت موقفًا
في اللحظات الفاصلة، لا يُقاس الإعلام بما يقوله، بل بما يختار ألّا يقوله.
وما جرى خلال كأس إفريقيا بالمغرب، خصوصًا في محطاتها الحاسمة، كشف أن جزءًا واسعًا من الإعلام العربي اختار الصمت حين كان الموقف واجبًا، والحياد حين كان الانحياز للقيم ضرورة.
لم يكن المطلوب من الإعلام العربي أن يشجّع المغرب، ولا أن يصطف معه ضد منافسيه.
ذلك ليس من مهامه، ولا منطقًا مهنيًا سليمًا.
لكن كان يُفترض فيه، على الأقل، أن يدافع عن قواعد اللعبة، وعن فكرة الانضباط، وعن احترام البلد المنظِّم.
ما حدث كان العكس.
قبل البطولة، مرّ التنظيم المغربي مرورًا باهتًا في التغطيات العربية، وكأنه نجاح مُحرِج لا يُحتفى به.
وخلال المباريات، طغى خطاب المراقبة الباردة، لا التحليل المسؤول.
أما عند وقوع التجاوزات—خصوصًا في المباراة النهائية—فقد اختار كثيرون الانسحاب اللغوي: لا تسمية، لا إدانة، لا موقف.
وهنا، يصبح الحياد قرارًا سياسيًا مقنّعًا.
الإعلام العربي الذي يرفع شعارات الأخوّة عند الخطابة، تراجع حين طُلب منه الحد الأدنى من الشجاعة المهنية.
لا لأن الحقيقة غامضة، بل لأن قولها مكلف في بيئات اعتادت إدارة الإعلام بمنطق الحسابات لا القيم.
المفارقة الصارخة أن كثيرًا من هذه المنابر لم تتردد، في مناسبات أخرى، في إصدار أحكام قاسية حين يتعلق الأمر بغير المغرب.
لكن حين كان المغرب هو المعني، ساد صمت ثقيل، وكأن النجاح يُربك أكثر مما يُفرح.
وهنا يجب تفكيك المسألة بعمق.
جزء من الإعلام العربي لا يرى في المغرب شريكًا نِدّيًا، بل حالة استثنائية يصعب تصنيفها.
نجاح تنظيمي، استقرار مؤسسي، حضور دولي، ونموذج تنموي يخرج عن السرديات التقليدية.
هذا النجاح لا يُحتفى به لأنه يفضح هشاشة أوضاع أخرى.
لذلك، يصبح الحياد آلية دفاع،
والصمت وسيلة لتجنّب المقارنة.
وفي المباراة النهائية، بلغ هذا الموقف ذروته.
حين اختلط التنافس بالانفلات، وحين تجاوز السلوك حدود المقبول، لم نسمع إدانات واضحة، ولا تحليلات مسؤولة، ولا توصيفًا دقيقًا لما جرى.
تمت المساواة بين الفعل وردّ الفعل، وبين النظام والفوضى، وبين الدولة والمنفلتين.
وهذا أخطر أشكال التواطؤ الإعلامي.
الإعلام الذي لا يسمّي الفوضى فوضى،
ولا يميّز بين الاحتجاج والانتهاك،
يساهم في تطبيع السلوك المنحرف، ويُفرغ القيم من معناها.
الأخطر أن هذا الصمت العربي ترافق مع حضور انتقائي للقاموس الأخلاقي.
حين يناسب الخطاب، تُستدعى مفردات “الروح الرياضية” و”الأخوّة”.
وحين يتطلب الأمر موقفًا واضحًا، تختفي المفردات ويحل محلها فراغ لغوي مقصود.
وهنا يجب أن تُقال الحقيقة دون مواربة: الأخوّة التي لا تظهر عند الاختبار، ليست إطارًا أخلاقيًا، بل خطابًا استهلاكيًا.
المغرب لم يطلب دعمًا،
ولم ينتظر تصفيقًا،
ولم يبحث عن اصطفاف.
لكنه كان ينتظر—بحق—ألا يُترك وحيدًا في الدفاع عن قواعد اللعبة، وهو الذي فتح الأبواب، ووفّر الظروف، واحترم الجميع.
ما حدث يفرض مراجعة صارمة:
لمفهوم التضامن الإعلامي العربي،
ولعلاقة المغرب بخطاب لا يحميه عند الحاجة،
ولمدى واقعية الرهان على “الأخوّة” خارج المصالح.
الإعلام العربي مدعو اليوم إلى مساءلة نفسه: هل هو إعلام قيم؟
أم إعلام توازنات؟
هل يشتغل بمنطق المهنية؟
أم بمنطق الخوف من المقارنة؟
أما المغرب، فقد تلقّى الرسالة بوضوح.
وسيُعيد ترتيب علاقته مع هذا الفضاء بمنطق الدولة، لا العاطفة، وبالندية لا الانتظار.
لأن الدولة التي تحترم نفسها،
لا تراهن على صمت الآخرين،
بل على وضوح مواقفها.
يتبع…

