من “غلادياتور” إلى “الأوديسة”.. لماذا تحول المغرب إلى وجهة لتصوير الأفلام العالمية؟


حرر بتاريخ | 09/09/2026 | من طرف كشـ24

بعد إعلان المخرج الأميركي كريستوفر نولان اختيار المغرب وجهة لتصوير مشاهد من فيلمه الجديد “الأوديسة” (The Odyssey)، عادت إلى الواجهة المكانة التي حظيت بها المدن المغربية في السينما العالمية، وما تمثله من قيمة رمزية لدى العديد من صناع الأفلام حول العالم.

إذ لم تكن “الأوديسة” أول فيلم عالمي يتخذ من المدن المغربية مواقع للتصوير، فقد شهدت البلاد على مدى عقود تصوير عشرات الإنتاجات السينمائية، التي وجدت في طبيعتها ومدنها فضاءات ملائمة لبناء عوالمها البصرية، كما في “بابل” (Babel)، و”غلادياتور” (Gladiator)، و”مهمة مستحيلة” (Mission Impossible)، و”المومياء” (The Mummy)، و”استهلال” (Inception)، وغيرها من الأعمال التي رسخت حضور المغرب في الذاكرة السينمائية العالمية.

وساعد هذا التنوع الجغرافي والبصري على ترسيخ مكانة المغرب كوجهة مفضلة للإنتاجات السينمائية العالمية، إذ يجد فيه المخرجون مساحات قادرة على احتضان عوالم مختلفة ضمن موقع جغرافي واحد. فبين السهول والهضاب والقصبات والقناطر والمدن والشواطئ والصحاري، يوفر المغرب مجموعة واسعة من المواقع التي يمكن توظيفها في بناء الفضاء السينمائي وتشكيل الصورة البصرية للعمل.

تسهيلات إدارية وإعفاءات ضريبية
إلى جانب تنوع المواقع والبنية التحتية المتاحة، يقدم المغرب مجموعة من التسهيلات الإدارية والمالية لجذب الإنتاجات السينمائية الأجنبية، تشمل إجراءات الحصول على تراخيص التصوير والاستفادة من المواقع والخدمات المحلية.

وتتضمن هذه الحوافز نظاما لاسترداد جزء من النفقات المؤهلة التي تنفقها الإنتاجات الأجنبية داخل البلاد، فضلا عن تسهيل الإدخال المؤقت لمعدات التصوير، والاستعانة بالاستوديوهات والكوادر الفنية وخدمات الإنتاج، ولا سيما في مدينة ورزازات جنوبي المغرب.

وتسهم هذه العوامل، إلى جانب تنوع التضاريس وتقارب المواقع الجغرافية، في خفض بعض تكاليف الإنتاج وتسهيل تصوير مشاهد تنتمي إلى بيئات وأزمنة مختلفة ضمن نطاق جغرافي محدود.

ومن أبرز التسهيلات التي قدمتها السلطات للإنتاجات الأجنبية إغلاق جزء من الطريق السيار خلال تصوير الجزء الخامس من سلسلة “مهمة مستحيلة” عام 2014. واستمر الإغلاق 14 يوما، من 30 غشت إلى 12 شتنبر، لإتاحة تصوير مشاهد ظهرت لاحقا في فيلم “مهمة مستحيلة: أمة مارقة” عند عرضه عام 2015.

وفي إطار تطوير البنية التحتية للقطاع، انطلقت أعمال مشروع “المدينة الدولية للإنتاج السينمائي” في ورزازات، على مساحة تبلغ 10.49 هكتارات، باستثمار يقدر بنحو 240 مليون درهم. ويهدف المشروع إلى توسيع قدرات المدينة في مجالات التصوير والإنتاج والتدريب والخدمات الفنية.

وتشير بيانات المركز السينمائي المغربي، وهو مؤسسة عامة تأسست عام 1944 خلال فترة الحماية الفرنسية، إلى أن الإنتاجات الأجنبية تضخ مبالغ متفاوتة في الاقتصاد المحلي سنويا. غير أن حجم هذه الاستثمارات يتغير بحسب عدد الأعمال وطبيعتها، ما يستدعي الاستناد إلى حصيلة زمنية محددة عند مقارنة المواسم أو ترتيب الأفلام بحسب إنفاقها داخل البلاد.

وكان فيلم “غلادياتور” من أبرز الإنتاجات الأجنبية التي صورت في المغرب وأنفقت مبالغ كبيرة خلال فترة التصوير، لكن البيانات المتاحة لا تكفي للجزم بأنه لا يزال صاحب أعلى استثمار أجنبي في تاريخ القطاع.

ومع تراكم الخبرات وتوسع خدمات الإنتاج، عزز المغرب حضوره على خريطة التصوير الدولي، بينما ارتبطت ورزازات على نحو خاص بهذه الصناعة، حتى شاع وصفها إعلاميا بـ”هوليوود إفريقيا”.

من فضاء استعماري إلى موقع للتصوير
لا يمكن قراءة حضور المغرب في السينما العالمية من خلال الإنتاجات الحديثة وحدها، إذ تتعدد صور هذا الحضور بين أفلام تدور أحداثها في البلاد، وأخرى تستخدم مدنها ومواقعها خلفية لمشاهد محدودة، وثالثة تستعين بتضاريسها لتجسيد بلدان أو حقب تاريخية مختلفة.

ويظهر الاستخدام العابر للمكان في فيلم “مهمة مستحيلة: أمة مارقة” (Mission: Impossible – Rogue Nation) للمخرج كريستوفر ماك كويري وبطولة توم كروز، إذ استخدمت مواقع مغربية لتصوير مشاهد المطاردة والحركة، من دون أن يحتل المغرب موقعا محوريا في الحكاية.

ويرتبط حضور المغرب في السينما الأجنبية بتاريخ يسبق الإنتاجات المعاصرة. فقبل ظهور السينما ظل البلد جزءا من التصورات الغربية عن شمال إفريقيا، ثم أسهمت مرحلة الحماية الفرنسية والإسبانية، الممتدة من عام 1912 إلى استقلال المغرب عام 1956، في إنتاج صور سينمائية أكثر انتظاما عن مجتمعه وجغرافيته وتاريخه، ضمن ما يُعرف في الدراسات السينمائية بـ”السينما الاستعمارية” أو “الكولونيالية”.

أنجز مخرجون ومنتجون أجانب معظم هذه الأفلام، وقدمت بعض أعمال تلك المرحلة المجتمع المغربي من منظور متأثر بالتصورات الاستشراقية السائدة آنذاك. ولم تقتصر وظيفة الصورة على تسجيل المكان، بل أسهمت أحيانا في إعادة تشكيله بما يتلاءم مع رؤية صناع الأفلام والجمهور المستهدف، وهي رؤية لم تكن تعكس بالضرورة تعقيدات الواقع المحلي.

وعرضت السلطات الاستعمارية بعض هذه الأفلام في المدن والقرى ضمن عروض متنقلة وقوافل سينمائية. وتشير دراسات تناولت أرشيف السينما الاستعمارية إلى أن عددا منها أدى، إلى جانب وظيفته الترفيهية والتوثيقية، دورا دعائيا قدم الوجود الاستعماري باعتباره مشروعا للتحديث، بما أسهم في تبرير السيطرة الأجنبية وإضفاء الشرعية عليها.

وبدرجات متفاوتة، استمرت بعض العناصر المرتبطة بهذه النظرة في إنتاجات أجنبية صُورت في المغرب خلال العقود اللاحقة، ولا سيما تلك التي اختزلت المكان في الصحراء أو الأسواق القديمة أو صور الغرابة والمغامرة. غير أن التعامل مع المغرب في هذه الأعمال ليس واحدا، إذ تختلف طبيعة تمثيله باختلاف الفيلم وسياقه ورؤية صناعه.

ثلاثة أنماط لحضور المغرب
يمكن رصد ثلاثة أنماط رئيسية لحضور المغرب في المتخيل السينمائي الغربي. الأول هو أن يتحول المغرب إلى فضاء أساسي للأحداث، بحيث يصبح المكان جزءا من السرد وليس مجرد خلفية له.

ويبرز فيلم “كازابلانكا” (1942) للمخرج مايكل كورتيز بوصفه أحد أشهر الأمثلة على ذلك، إذ تحمل الدار البيضاء اسمها إلى عنوان الفيلم نفسه، وتشكل المدينة فضاء مركزيا تتقاطع فيه الشخصيات والأحداث خلال الحرب العالمية الثانية.

ويختلف هذا النموذج عن غالبية الأفلام الأجنبية المصورة في المغرب، التي غالبا ما تستخدم المكان لخدمة الحكاية من دون أن تجعل منه موضوعا قائما بذاته. ولذلك تكتسب الأعمال التي تمنح المغرب حضورا سرديا مستقلا أهمية خاصة، لأنها تتيح للمشاهد الأجنبي التعرف إلى المكان بوصفه مجتمعا وبيئة وتاريخا، لا مجرد موقع للتصوير.

أما النمط الثاني، فيتمثل في الحضور العابر للمغرب، حيث تظهر المدن والشوارع والمواقع المغربية في مشاهد محدودة من دون أن تصبح جزءا أساسيا من بناء الحكاية.

ويمكن ملاحظة ذلك في أفلام مثل “لعبة التجسس” (Spy Game) (2001) للمخرج توني سكوت، وبطولة روبرت ريدفورد وبراد بيت، و”ألكسندر” (Alexander) (2004) لأوليفر ستون، وبطولة كولن فاريل وجاريد ليتو وأنجلينا جولي. في هذه الأعمال، يؤدي المكان وظيفة بصرية تخدم السياق الدرامي، لكنه لا يمنح المشاهد مساحة كافية للتعرف إلى المجتمع المغربي أو تفاصيل الحياة المحلية.

ويظهر النمط الثالث بصورة أوضح في ورزازات، التي تحولت إلى موقع متكرر لإنتاج أفلام تتطلب بيئات تاريخية وصحراوية. فقد ظهرت المدينة ومحيطها في أعمال مثل “لورنس العرب” (Lawrence of Arabia) (1962) لديفيد لين، و”المومياء” (The Mummy) (1999) لستيفن سومرز، و”غلادياتور” (Gladiator) (2000) لريدلي سكوت. وفي هذه الأعمال، وظفت ورزازات أساسا بوصفها موقعا بصريا قادرا على تجسيد أزمنة وأمكنة مختلفة، أكثر من كونها جزءا من الحكاية المغربية نفسها.

لكن هذا الاستخدام السينمائي للمكان لم يكن بلا أثر على المدينة. فقد ساهم حضور الإنتاجات الأجنبية في ترسيخ ورزازات كأحد أهم مراكز التصوير في المغرب، وشجع على إقامة الاستوديوهات وتطوير الخدمات المرتبطة بالإنتاج السينمائي، حتى أصبحت المدينة مرتبطة في الوعي السياحي والصناعي المغربي بصورة مركز سينمائي يستقطب الإنتاجات العالمية.

من موقع للتصوير إلى صناعة سينمائية
ولم يتوقف أثر الإنتاجات الأجنبية عند استخدام المغرب كموقع للتصوير، بل ساهمت هذه الحركة في نشوء قطاع اقتصادي ومهني مرتبط بالسينما. فمنذ بداية الألفية الجديدة، وفرت الأعمال الأجنبية فرصا لآلاف المغاربة للعمل في مواقع التصوير، سواء في أدوار الكومبارس أو ضمن الخدمات والإنتاج.

ومع تطور معاهد ومدارس السينما في مدن مثل الرباط ومراكش وورزازات، بدأ الحضور المغربي يتجاوز المشاركة العرضية أمام الكاميرا إلى العمل في مختلف المهن السينمائية خلفها. وأسهم تراكم الخبرات في ظهور كوادر مغربية تشارك في الإنتاجات الدولية، مستفيدة من خبرة اكتسبها القطاع على مدى سنوات من العمل مع شركات ومخرجين من مختلف أنحاء العالم.

وتكشف مسيرة عدد من الفنانين المغاربة عن هذا التحول، ومن بينهم الفنان والمخرج والمصمم لحسن زينون (1944-2024)، الذي شارك في تصميم الرقصات لعدد من الأفلام العالمية، بينها “الإغراء الأخير للمسيح” (The Last Temptation of Christ) لمارتن سكورسيزي و”شاي في الصحراء” (The Sheltering Sky) لبرناردو برتولوتشي.

كما برز ممثلون مغاربة في إنتاجات دولية، من بينهم سعيد التغماوي في سلسلة “جون ويك” (John Wick)، وحميدو في أعمال مثل “قواعد الاشتباك” (Rules of Engagement) و”لعبة التجسس” (Spy Game) و”رونين” (Ronin).

وهكذا لم يعد المغرب مجرد موقع تستفيد منه الإنتاجات الأجنبية لتقديم عوالم بعيدة عن واقعه، بل تحول تدريجيا إلى بيئة إنتاجية تمتلك الخبرات والبنية التحتية والكوادر القادرة على الاندماج في صناعة السينما العالمية.

المصدر: الجزيرة